أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
56
نثر الدر في المحاضرات
الحديد إلّا الحديد ، ألا من استرشدنا أرشدناه ، ومن استخبر أخبرناه ، إنّ الحقّ كان يطلب ضالّته ، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار ، فكأن قد اندمل شعب الشتات ، والتأمت كلمة العدل ، وغلب الحق باطله ، فلا يعجلنّ أحد فيقول : كيف وأنّى . ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا . ألا إنّ خضاب النساء الحنّاء ، وخضاب الرجال الدماء ، والصبر خير في الأمور عواقبا ، إلى الحرب قدما غير ناكصين ، فهذا يوم له ما بعده . ثم قال معاوية : واللّه يا زرقاء لقد شركت عليّا في كلّ دم سفكه ، فقالت : أحسن اللّه بشارتك يا أمير المؤمنين ، وأدام سلامتك ، مثلك من بشّر بخير وسرّ جليسه . قال لها : وقد سرك ذاك ؟ قالت : نعم واللّه ؛ لقد سرّني قولك فأنّى بتصديق الفعل ؟ فقال معاوية : واللّه لوفاؤكم له بعد موته أحبّ إليّ من حبّكم له في حياته . معاوية وأم الخير بنت الحريش وأوفد أمّ الخير بنت الحريش البارقيّة فقال لها : كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر ؟ قالت : لم أكن واللّه روّيته قبل ولا دوّنته بعد . وإنما كانت كلمات نفثهنّ لساني حين الصّدمة . فإن شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت . قال : لا أشاء ذلك . ثم التفت إلى أصحابه فقال : أيكم حفظ كلام أمّ الخير ؟ قال رجل من القوم : أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد . قال : هاته . قال : نعم كأنّي بها يا أمير المؤمنين في ذلك اليوم وعليها برد زبيدي ، كثيف الحاشية ، وهي على جمل أرمك « 1 » وقد أحيط حولها وبيدها سوط منتشر الضّفيرة ، وهي كالفحل يهدر في شقشقته ، تقول : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 ) [ الحج : 1 ] . إنّ اللّه قد أوضح الحقّ ، وأبان الدليل ، ونوّر السبيل ، ورفع العلم ؛ فلم يدعكم في عمياء مبهمة ، ولا سوداء مدلهمّة ، فإلى أين تريدون رحمكم اللّه ؟ أفرارا عن أمير المؤمنين ، أم فرارا من الزّحف ، أم رغبة عن الإسلام ، أم ارتدادا عن
--> ( 1 ) الأرمك : الأحمر يخالطه سواد .